New Page 1
أوجدت ظروف إتساع وتمدد
العمران ـ لا سيّما في المجتمعات الصناعيةـ وتكدّس الناس في العواصم والمدن الكبيرة
مع مايكتنفها من صراع مرير مع عامل الوقت, مثلما هو الحال مع ظروف التسفار بأعداد
كبيرة براً وبحراً وجواً.
أوجدت مثل هذه الظروف مناخاً رحباً تمددت فيه صناعة
الاغذية والوجبات السريعة والمحضرة والمشروبات والادوية الكيميائية , التي اعدت
لتصمد طويلا علي هيئتها امام عامل الوقت والزمن ربما لعام كامل او عامين دون ان
تجري عليها التغييرات والتحولات الطبيعية فيما لو بقيت علي حالتها الطبيعية الاصل .
ولاتتم عملية الحفظ هذه الا من خلال وضع تلكم المحضرات داخل او بمعية وسط كيميائي
حافظ يقوم بتحنيطها وكبح حركتها وتفاعلها فتبقي علي صورتها وهيئتها صامدةً علي مر
الزمان .
ولعل الذين إفتتنوا بهذه الطريقة لم يقفوا طويلا متسائلين عن قيمة وجدوي هذه المادة
الغذائية بعد ان تجري عليها عملية التحنيط هذه .
فالشكل والصورة صامدان هما هما , لكن هل المحتوي الغذائي والي جانبه ذلك الوسط
الكيمائي الحافظ هل بقي علي حاله ودون ان يتأثر أو يؤثر علي عمليات الهضم والامتصاص
طوال مرحلة ومسارات المادة الغذائية ؟
وهل ان المادة الحافظة التي تقوم بعزل تلكم المواد الغذائية عن المؤثرات الخارجية
هي في حد ذاتها قابله للذوبان في جهازنا الهضمي وقابله للتحول الي مواد غذائية
ومفيده بدورها ؟
لكن , السؤال الهام هو الي ماذا تصير اذا لم يتم تمثيلها وهضمها وقلبها الي مادة
غذائية مفيدة للجسم؟
وبداهةً فعكس المفيد هو الضار!
سئل رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم): أنتداوى
يارسول الله ؟ فرد قائلا: " تداووا... ماانزل الله من داء ,الاأنزل له دواء!"
ويستفاد من عبارتي ماأنزل والا أنزل قصد المعني الى مكان
وزمان (زمكانية) أو time & place وبرُغم
كون حدود ومدى الخطاب النبوي مرتكزا علي رسالة خاتمة
موجهة "كافةً للناس" وحيثما حلوا وحيثما كانوا زمانا ومكان. إلا أن المعنى القريب
حصر أمري نزول الداء ونزول الدواء في البيئة المحيطة القريبة وبلاغة الخطاب النبوي
أنه يبلغ السامع المتلقي حينه ما يعيه بما لا يختلف مع الفطرة والبداهة، وفي ذاتئذٍ
ينطوي على الإمكان الآخر ليصلح ويبلغ المدى الأكمل والأبعد في دائرة توجيه الخطاب (كافةً
للناس).
ويفرض علينا قصور الاتصال والتواصل في زمن الخطاب النبوي الوقوف أمام معنى
الزمكانية بحدودها الجغرافية التي كانت تعيها ذهنية المتلقي لذلك الخطاب.
وأعوّل عليها كأصل للبناء والإنطلاق، ومن ثم فإنه من بين المستفاد من هذا
الحديث هو إمكان الحصول على الدواء في متناول اليد الجغرافي – زمكانياً – أي في ذات
الدائرة التي ينزل بها الداء، وهل يحدث هذا في غير عطاء الطبيعة؟
لكننا اليوم نعاني إنكماشاً حاداً ومريعاً في مجرد معرفة مفردات النباتات بأسمائها،
ناهيك عن خصائصها وفوائدها واستخداماتها، وإلى جانب ذلك ما زرأ لنا الله تعالى في
الأرض زاحفاً أو على أربع يمشي مكباً على وجهه بل نـجهل
الكثير عمن تجب علينا معرفته ومواصلته من الأرحام من بني البشر من أبناء عمومتنا
وأقرب الأقربين.
والنباتات كثيرة ومتعددة إلى درجة ان المهتمين صنفوها بحسب الخصائص والمميزات ودرجة
الإحتياج إليها كالحبوب والثمار والزيتية والعطرية... إلخ.
ومن بين كل ذلك نباتات ذات فوائد علاجية دوائية وبحسب الحال تتركز المادة العلاجية
إما في النبات أكمله أو في الأوراق أو الأغصان أو الساق أو الجزور أو الثمار أو حتى
الغلف.
وتعارف المهتمون قديماً وتواضعوا على طرق محددة للجمع والحفظ لا تخرج في مجملها عن
الإبقاء على النبات أو جزء منه على هيئته الطبيعية.
وقد تناول القرآن الكريم مادة (حفظ) في سورة يوسف في المواضع التالية:
(قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون) (47)
ثم (يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون) (48).
(قال إني حفيظٌ عليم) 55
(وإنا له لحافظون) 63
(فالله خيرٌ حافظاً) 64
(ونمير أهلنا ونحفظ أخانا) 65
ويهمنا هنا إبقاء الحصاد في سنبله إحصاناً له في مواجهة التغيير والمتغيرات في مدى
سبع سنين حددتها الآيات، ذلك ما يفيد أن الاتجاه إلى عزل الاجزاء النباتية عن وسطها
الطبيعي وتبعيضها أو انتقائها جزئياً ومحاولة المحافظة على خصائصها في الأوساط
الكيميائية ينطوي على:
1/ إنتفاء ضمانة بقائها صالحة للاستعمال مفيدة على مدى
السبع سنين المشار إليها في الآيات.
2/ إنتقاء ضمانة عدم المساس أو الإضرار أو التقليل
بفاعلية مكوناتها غذائية كانت أم دوائية.
إن عناصر الجنس النباتي في البذرة مثلاً، هي مجموعة مواد مجمعة معاً تحوي كل مقومات
النبات الكامل وهي بصمته الجينية حتى لو كان شجرة ضخمة تزاحم الأفق طولاً وعرضاً
وتطاول عنان السماء. والبذرة على ذلك، أشبه ما تكون
بالقرص المدمج compact الذي يحوي الكثير من البرامج والمواد، ففي داخل هذه البذرة
القرص كل مراحل الإنبات والنمو والتكاثر يتم فضها وعرضها مرحلةً تلو أخرى، بدءاً من
تمدد الجزر متلمساً طريقه في التربة باحثاً عن المواد الأولية لعملية الإنبات
وليشكل في ذاتئذٍ (الطنب) أو الوتد الذي يرتكز عليه ويتثبت به في التربة في مواجهة
عوادي الطبيعة وأولها الماء والهواء أساس الحياة والنماء.ثم يتدرج بث البرامج
وعرضها في مواقيت معلومة وظروف مناخية محددة حتى يبلغ النبات أشده فيطرح بدوره
ثماراً جاهزة لتبدأ دورة الحياة من جديد وهكذا.إن عبارة فذروه في سنبله قرآنا وحياً
إلهياً أجراه المولى تعالى على لسان نبييه يوسف عليه السلام كقراءة مستقبلية تستشرف
المستقبل والإعداد له إستراتيجياً بهدف أخذ الحيطة وإعداد العدة لسبع شداد يأكلن ما
قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون...
ويصدق الله وعده، فيتضح أمام العقلاء الفقهاء قدم هذا الدرس من وجهة النظر
التاريخية كمعطىً يقيني إيماني لا يتزحزح حافظاً صادقاً من حافظٍ صادق الوعد.ومما
يزيد اليقين صدق نبوة نبي الله يوسف في غير هذا المقام، مما جعله حفيظاً على خزائن
الأرض.
ومن كل ذلك نتبين أن عطاء الطبيعة على صورته التي هو عليها مؤهل للصمود طويلاً
طويلاً أمام العاديات فكيف الحال إن تم حفظه في وسط طبيعي آخر نحو العسل؟ فمما لا
شك فيه أن الأمر يتمخض عندئذٍ عن أكثر من فائدة ومزية، خلا أن العسل في أصله
ومصادره لا يعدو أن يكون رحيقاً يتبلور لاحقاً ليؤلف الثمرة أصل النبات، فضلاً عن
كونه نتاجاً للوحي الإلهي الذي وجهه المولى جل وعلا للنحل فقال تعالى: (وأوحى ربك
إلى النحل) 68 – النحل. فشرفت بذلك النحلة إذ دخلت ضمن خمسة إختصهم المولى جل وعلا
بالوحي وهم أنبياؤه ورسله، الحواريين، أم موسى، وأوحي كذلك إلى كل سماء أمرها.
وعلى ذلك فأمام العسل إننا أمام آية من آيات الله وسمها بأنها (فيه شفاء)
إلى جانب كونه أشرف الأغذية على الإطلاق.
وبهذا يمتاز العسل بكونه (أشرف الغذاء ما كان دواءً وأشرف الدواء ما كان غذاءً) أي
أن يكون الغذاء الدواء أو الغذاء والدواء كليهما داعمين ومعززين لعمليات الأيض الذي
يجري على الجبلة أو الخلية metapolism وليس العكس. ففي وقت نـجد
فيه المريض بداء السكري ومع كل المتاح من العلاجات الكيميائية ومع شدة تعطشه وتناول
الماء بكثرة وجوعه وتعاطي الأكل بكثرة إلا أنه ومع فرط التبول في حالة خمول مضطرد
ومتنامي وفقدان للوزن، الأمر الذي يعكس توقف عمليات الأيض والاستقلاب في الخلية
الحية وتوقف عملة البناء والترميم. بينما مع علاج إجتمع فيه لفيف من أجزاء نباتات
شتى مازجها إستقلاباً وربطاً وحفظاً العسل، يتضح لنا بجلاء تقدم عملية البناء
والترميم بما يشي بأن شيئاً تم وجرى في أخطر مضاعفات الداء السكري، يشكل ويرسم
determination point أو خطاً فاصلاً في الرحلة مع هذه العلة. وبمثلما ينظر إليه
كقادم جديد في هذا المضمار، فلينظر إليه كأمر قديم جرى كواحدة من المعجزات التي
أكدت على صدق نبوة نبي الله يوسف عليه السلام. يسوقها لنا القرآن الكريم عظة
واعتباراً نبني عليه ونؤسس فنقيم دين الله واقعاً يشكل مسيرنا في الحياة. لا أن
يشكونا لله إذا إتخذناه مهجوراً!